حفل التاريخ الإسلامي بالعديد من المعارك التي كانت لها شأن عظيم في تحديد مسار هذه الأمة والتي كانت سبب في صعود دول وسقوط أخرى، ومنها معركة سهل أنقرة التي جمعت بين قائدين عظيمين وهما السلطان العثماني بايزيد الأول (791-805هـ /1389-1402م) والملك المغولي المسلم تيمورلنك (771-808هـ/1369-1405م).
غير أن هذه المعركة كانت كارثة على الأمة الإسلامية حيث انها مزقت شملها، بسبب أنها وقعت بين دولتين إسلاميتين فى أوجه قوتهما وفي وقت كان العالم الإسلامي في اشد الحاجة للوحدة.
بايزيد الأول:
إنه السلطان العثماني ابن السلطان مراد الأول، تولى السلطنة بعد استشهاد أبيه الغريب والمفاجئ بعد معركة قوصُوَّة (15 شعبان 791هـ/1388م). كان بايزيد سياسيًا بارعًا، دائم الجهاد، عقد حلفًا مع الصرب ؛ ليكونوا حاجزًا بينه وبين إمبراطورية المجر القوية؛ فوافق على أن يحكم الصرب ابنا الملك لازار الذي قتل في معركة قوصوة، وأن يدينان له بالولاء، ويقدمان له جزية سنوية، وعددًا معينًا من الجنود يشتركون في فرقة خاصة بهم في حروبه، وتزوج أوليفير ابنة الملك لازار.إلا أنه سرعان ما ضم الإمارات النصرانية في الأناضول، ففتح منتشا وآيدين وصاروخان وآلاشهر، واستولى على بلغاريا، وبذلك أصبح على تخوم إمبراطورية المجر، التي حركت بدورها أكبر تكتل مسيحي بقيادة ملك المجر سيجمسوند والبابا بونيفاس التاسع، وقد بلغ جيشهما مائة وعشرون ألفًا، وكانت معركة نيكوبوليس(23 ذى القعدة 798هـ/27 سبتمبر 1395م) وكان نصرًا عظيمًا للمسلمين، ووقع الكثير من أمراء أوربا في الأسر، ومنهم الفرنسي الكونت دى نيفر الذي عرض الفدية، وأقسم للسلطان بايزيد أنه لن يعود لحربه، فقبل منه السلطان الفدية وقال له:" إني أجيز لك ألا تحفظ هذا اليمين، فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي، إذ لا شيء أحب إلىّ من محاربة جميع مسيحي أوربا والانتصار عليهم".وكان أول سلطان عثماني رسمي باعتراف الخليفة العباسي في مصر، وحاصر القسطنطينية أربع مرات، وكاد في الرابعة أن يفتحها لولا قدوم تيمورلنك، فاضطر لفك الحصار مجبرًا الدولة البيزنطية على بناء محكمة إسلامية للجالية المسلمة هناك، وبناء مسجد كبير والدعاء فيه للخليفة العباسي في مصر والسلطان بايزيد، وتخصيص سبعمائة منزل للجالية المسلمة داخل المدينة، والتنازل عن نصف "حي غلطة" لوضع حامية عثمانية به.وكان ينتقل من أوربا إلى الأناضول ثم يعود مسرعًا إلى أوربا يحقق فيها نصرًا جديدًا أو تنظيمًا حديثًا حتى لقب باسم "يلدرم" أي الصاعقة؛ نظرًا لتلك الحركة السريعة والانقضاض المفاجئ.تيمور لنك ومعركة انقرههو تيمور بن توغاى أحد شيوخ قبيلة برلاس التركية، وهو من الأسر النبيلة في بلاد ما وراء النهر، وأحد أحفاد جنكيز خان، وقد أصيب بسهم في فخذه، وأصابه العرج من جراء ذلك، فأضيف إلى اسمه كلمة "لنك" أى الأعرج.جلس على عرش خراسان(771هـ/1369م) واتخذ سمرقند عاصمة له، واستطاع الهيمنة على القسم الأكبر من العالم الإسلامي، وكان يتصف بالشجاعة والعبقرية الحربية، وكان قبل أن يقرر أمرًا يجمع المعلومات ويرسل الجواسيس ثم يصدر أوامره بعد تروٍ وتأنٍ، وكان من الهيبة بحيث كان جنوده يطيعون أوامره أيًا كانت.وأعلن أنه سيسيطر على الأرض المسكونة، وكان يردد:" إنه يجب ألا يوجد سوى سيد واحد على الأرض طالما أنه لا يوجد إلا إله واحد في السماء". وكان مسلمًا يراعى العلماء ورجال الدين وخاصة أتباع الطريقة النقشبندية.فانظر أي رجلين كانا، وأي إمبراطورية كانت لتملأ الأرض رحمة وعدالة، وأي شيء كان ليجنب الأمة هذه المأساة.أسباب المعركةلا شك أن صداما كهذا لابد له من أسباب قوية تدعمه، وتجعل القتال أمرًا لا مفر منه، ولكن باستقراء هذه الأسباب لا نجد ما يقوى هذا الصدام، فلا مبرر لوقوع مثل هذه الحرب، وقد كان بالوسع تجنب هذه المأساة بالصلح والمفاوضات، ومن أهم أسباب تلك المعركة:أولاً: خوف نصارى أوربا من السلطان بايزيد، فلا يكاد يمر العام حتى يستولى على أكثر من مدينة، ولا شيء يقف في وجهه، ففكروا في دعم تيمورلنك، فإن أصابه وانتصر عليه فقد كفاهم مؤونته، وإلا فقد أضعف قوته، وكسر شوكته، فلا يكاد يفكر في غزو أوربا.ثانيًا: المراسلات التي كانت تتم بينهما؛ ففيها أهان تيمورلنك السلطان بايزيد، وعرّض به وبأصله، وكانت بمنزلة ناقوس خطر ورسول حرب بين القائدين.ثالثًا: أما السبب الأهم والمباشر فهو لجوء أمراء آسيا الصغرى إلى تيمورلنك خوفًا من السلطان بايزيد، وانضمام أمراء العراق إلى السلطان بايزيد هربًا من تيمورلنك؛ ففي انسياح تيمورلنك غربًا، وبعد وصوله إلى بغداد، فر أحمد بن أويس الجلائرى من وجهه والتجأ إلى السلطان بايزيد، فأرسل تيمورلنك إلى بايزيد يطلب تسليمه إياه، فأبى السلطان بايزيد، وما كان الملوك ليسلموا من لجأ إليهم، فغضب تيمورلنك وأعلن الحرب على الدولة العثمانية. أضف إلى ذلك أن هؤلاء اللاجئين من الطرفين كانوا يثيرون العداوة، ويغيرون الصدور، ويزيفون الحقائق لدى القائدين، حتى جاوز الأمر المدى وكانت الحرب.سير المعركةزحف تيمورلنك على آسيا الصغرى، ودخل مدينة سيواس(803هـ/1400م) وقبض على الأمير أرطغرل بن السلطان بايزيد وقتله، وتابع سيره إلى أنقرة بعد أن حشد ما يقرب من ثمانمائة ألف منهم أبناء أمراء الدويلات التي ضمها العثمانيون إليهم.فلما علم بايزيد خبر مقتل ابنه، أسرع بفك حصار القسطنطينية وخرج يتوقد غيظًا وحنقًا لملاقاة تيمورلنك، فدفعه هذا الغضب إلى التهور والاندفاع؛ فلم يضع الخطة المناسبة لهذا اللقاء، وجل ما استطاع حشده مائة وخمسة وعشرين ألف مقاتل مع وحدات من آيدين وصاروخان وروميليا وغيرها.أسرع بايزيد بالتوجه إلى بورصا وترك خلفه تسع سفن حربية في غاليبولى وأمر بالزحف إلى أنقرة، فاكتشف أن العدو توجه إلى توكات، فتراجع إلى الغابات لتنفيذ سياسة المناوشات، فغير تيمورلنك الخطة متجهًا إلى قيصرية ثم إلى أنقرة، مكلفًا معظم قواته بالتغلغل في قلب البلاد وتدميرها، وبدأ حصار أنقرة، ويفاجئ بايزيد بذلك بعد أن صار معزولاً عن بقية جيشه.ونشأت خلافات في صفوف القيادة العثمانية؛ فاقترح الصدر الأعظم على الجندرلى إرهاق العدو عن طريق هجمات ليلية وحصار، بينما كان فيروز بك بيليريك روميليا يرى ضرورة اللقاء الحاسم، فكانت المعركة.استمرت المعركة طيلة هذا اليوم من قبل شروق الشمس إلى ما بعد غروبها، ولكن سرعان ما تبدد أمل السلطان بايزيد فى النصر؛ فلحقت إمارات الأناضول بأمرائها عند تيمورلنك، مما أدى لاختزال جسيم لفعاليات الجناح الأيمن، وأما الجناح الأيسر فقد انهار تحت وطأة هجمات تيمورلنك، حتى أمر على باشا وسليمان ابن السلطان بايزيد بالهرب، ومع رفض بايزيد ترك المعركة، فإن ستيفان لازار يفيتش قائد الوحدة الصربية مال إلى التخلي عنه وتغطية انسحاب سليمان، ولم يبق مع السلطان إلا انكشاريته. وبعد صمود طويل وشجاعة لم يسبق لها مثيل سقط السلطان بايزيد فى كمين وتم أسره، وأحرق تيمورلنك العاصمة العثمانية بورصا، وأغرق آسيا الصغرى في النار والدماء.وحاول السلطان بايزيد الفرار من الأسر ثلاث مرات ولكنه فشل، وعانى كثيرًا من الإهانة النفسية، فتوفى في (15 شعبان 804هـ/1402م) وعمره لا يزيد على أربعة وأربعين عامًا بعد سبعة أشهر من وقوعه فى الأسر، وسمح تيمورلنك بنقل جثمانه ليدفن في بورصا. وبذلك تعرضت الدولة العثمانية للانهيار المؤقت، وبدأ اقتتال أبناء بايزيد على العرش، إلى أن نجح محمد في القضاء على إخوته سليمان وعيسى وموسى وقتلهم جميعًا.ويعود تيمورلنك إلى عاصمته سمرقند لتجهيز حملة على الصين، وسرعان ما توفى في(808هـ/1405م) وهكذا أسدل الستار على بطلين وقائدين مسلمين وإمبراطوريتين قويتين، وتأخر الزحف الإسلامي على القسطنطينية، وتجرأ أمراء النصرانية في أوربا على اضطهاد المسلمين.
==========
المصادر:
1- الدكتور على الصلابي: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
2- الدكتور محمد علي دبور: المماليك والعثمانيون، دار الهاني.
3- محمد خير فلاحة: الخلافة العثمانية من المهد إلى اللحد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق